في أعقاب الأزمة الانفصالية الحادة التي هزت البلاد في سنة 1997، صادقت كافة الأطراف القمرية على الاتفاقية المسماة "الاتفاقية الإطار للمصالحة الوطنية في جزر القمر" التي تم توقيعها في مدينة "فمبوني" بجزيرة موهيلي في شهر فبراير 2001، تحت رعاية المجتمع الدولي برئاسة الاتحاد الإفريقي.
وكانت هذه الاتفاقية المنطلق لوضع أسس الكيان القمري الجديد القائم على الوحدة الوطنية واستقلالية الجزر، حيث تم تكريس هذه المبادئ لوضع الدستور الجديد لعام 2001 الذي كان من شأنه تمكين جزر القمر من استعادة استقرارها السياسي الضروري لدفع التنمية بها.
غير أن هذا الدستور، إذ وضع حداً (فاصلاً) للمرحلة الحادة من الأزمة الانفصالية، فلا شك أن من وراء المظاهر، تولدت عنه عدد من المشاكل الجديدة. ذلك، وقد شاهدت البلاد خلال فترة إنشاء مؤسساتها الجديدة بعد سنة 2001، تواصلاً للأزمة الانفصالية في شكلٍ جديد : ألا وهي أزمة "نزاع الصلاحيات".
كما تضمن الدستور الجديد لسنة 2001 عدد من الثغرات، خاصةً منها الآتي :
لم يتم حسم عدد من القضايا الأساسية الحرجة من قبل المشرعين، حيث تم إسترجاعها لما لا يقل عن 11 قانون عضوي،
كثافة البنية الفوقية في الكيان القمري الجديد، باعتبار تواجد أربعة حكومات، وأربعة رؤساء وأربعة مجالس نواب، بكل ما يترتب عن ذلك من تضخم في الادارة، وتضخم كتل الرواتب الحكومية،
عدم وضوح الحدود بين في مجال توزيع الصلاحيات الجزر المتمتعة بالحكم الذاتي والاتحاد
اللبس الناجم عن القوانين الأساسية للجزر، بشأن مركز السلطات المحلية من السلطات الوطنية من خلال الإشارة إلى "الرئيس والوزراء والنواب" على مستوى الجزر منافسةً برئيس ووزراء ونواب الاتحاد،
تعدد الاستحقاقات الانتخاباتية بموجب عملية انتخابية سنوية تقريباً خلال الفترة من 2006 إلى 2014.
وقد وضع الدستور الجديد نظام "الدورية" في رئاسة الاتحاد بين الجزر (علماً أن ذلك الأمر لم ينبثق عن اتفاقية فمبوني مثلما يدعي البعض)، حيث تقوم على التوالي، كل جزيرة باختيار ثلاث مرشحين لرئاسة الاتحاد من خلال انتخابات تمهيدية، يمكنهم التقدم فيما بعدها للتصويت العام في الجزر الثلاث. ولكن في هذا الصدد أيضاً، بقى الدستور غامضاً بشأن إمكانية تجديد مدة ولاية الرئيس. وبالفعل، فإن المادة 13 من الدستور ليست واضحة حيث تنص على أن : "يتم اختيار الرئيس ونواب الرئيس معاً بالاقتراع العام المباشر وبالأغلبية في جولة واحدة لمدة أربعة (4) سنوات قابلة للتجديد مع احترام الدورية بين الجزر". وهنا يمكننا التساءل عن كيفية التوفيق بين قابلية تجديد مدة الولاية واحترام التناوب بين الجزر إثر انتهاء الأربعة سنوات.
وكذلك، فمن بين المسائل التي تم إسترجاعها للقوانين العضوية نجد على وجه الخصوص ما يلي :
"شروط تطبيق وإجراءات تنفيذ الصلاحيات الحصرية"،
"المواضيع المتعلقة بالصلاحيات المشتركة بين الاتحاد والجزر وكيفية ممارستها"،
"تنظيم القضاء في الاتحاد والجزر".
ومن جانب آخر، تسببت المسائل الخاصة ب"قوى الأمن الداخلي" والترتيبات الإدارية لشركات القطاع العام، التي تُركت أيضاً لتحكيم مجلس النواب، في انقسام عميق بين الجزر المتمتعة بالحكم الذاتي والاتحاد.
وقد طالبت الجزر، وخاصةً السلطات التنفيذية في جزيرة انجوان، منحها قوى أمن داخلي مجهزة بأسلحة حربية وتوليها الإشراف الحصري على فروع شركات الدولة بصفتها تابعة للجزيرة. كما اعتبرت السلطات التنفيذية في جزيرة القمر الكبرى من جانبها، أنه يحق لها المطالبة بأي صلاحية مُنحت أو تُركت لجزيرة انجوان.
وتجدر الإشارة هنا، إلى أن معظم القوانين العضوية قد تم وضعها من قبل الحكومة الأولى للكيان القمري الجديد، لكنها نظراً للتعديلات العميقة التي أدخلت على تلك القوانين من قبل البرلمان القمري، لم تقم هذه الحكومة حينها بنشرها كافة، معتبرةً -وبحق- أن البعض منها سوف يؤدي إلى شبه اختفاء الدولة.
وفي شهر مايو 2006، انتهت فترة الرئاسة الأولى للكيان القمري الجديد دون التوصل لتسوية نزاع الصلاحيات التي كان من شأنها أن ترسخ سير العمل الطبيعي في المؤسسات وتضع حد للتوتر القائم بين السلطات الوطنية وسلطات الجزر.
وقد أدى ذلك لتمرد العقيد محمد بكار واعتباره جزيرة أنجوان شبه-دولة، مقيماً بها جيشاً لمواجهة الجيش الوطني، ومنتحلاً حق السيطرة على الحدود والتحكم المنفرد على فروع الشركات التابعة للدولة وعلى أموال الجزيرة. كما قام في نهاية فترة ولايته خلال شهر يونيو 2007، بشن هجوم على رئاسة الاتحاد في الجزيرة ورفض تولي المجتمع الدولي الإشراف على تنظيم الانتخابات الرئاسية في الجزيرة، حيث قام بتنظيم انتخابات صورية من جانب واحد استنكرها المجتمع الدولي بأسره.
وفي هذا الصدد، قام المجتمع الدولي برئاسة الاتحاد الإفريقي بعدد من مبادرات الوساطة في جزر القمر، تلتها اجتماعات عدة في أديس أبابا وفي إفريقيا الجنوبية وذلك دون أن يقبل العقيد محمد بكار مبدأ إجراء انتخابات حرة وشفافة.
وأمام تصعد الانسياق (الانجراف) الانفصالي والديكتاتوري للعقيد محمد بكار، تحتم اللجوء خلال شهر مارس 2008 للتدخل العسكري في جزيرة انجوان لاستعادة النظام الدستوري في الجزيرة.
وبعد الانتهاء من عملية "الديمقراطية في جزر القمر" بنجاح، وانتخاب الرئيس التنفيذي الجديد لجزيرة انجوان في يونيو 2008، ووفقاً للتوصيات الدولية بضرورة عقد مؤتمر وطني مباشرة بعد الانتهاء من إجراء انخابات حرة وشفافة في جزيرة أنجوان، لإيجاد حلول مناسبة لمسألة توزيع الصلاحيات بين الاتحاد والجزر المتمتعة بالحكم الذاتي، التوصيات المعادة مراراً وتكراراً من قبل المجتمع الدولي، خاصةً الاتحاد الإفريقي، واجتماعات اللجنة الوزارية لدول المنطقة المعنية بجزر القمر التي عقدت في "كاب تاون" بتاريخ 19/6/2007 وبريتوريا بجنوب إفريقيا يومي 8-9/7/2007، وكذلك اجتماعات مجلس السلم والأمن في أديس أبابا، قامت الحكومة الاتحادية بإطلاق مبادرة عقد المؤتمر الوطني.
لكن بالرغم من عملية الوساطة التي قام بها المجتمع الدولي برئاسة الاتحاد الإفريقي بهذا الشأن، رفضت السلطات التنفيذية لجزيرتي القمر الكبرى وموهيلي المشاركة في هذا المؤتمر.
وبادرت آنذاك، الحكومة القمرية باقتراح مشروع تعديل دستوري أولي في شهر يناير 2009، قام رئيس الاتحاد بتسليمه شخصياً إلى الرؤساء التنفيذيين للجزر الثلاث، مطالباً موافاته بآراءهم بشأنه.
وفي شهر مارس 2009، طالب رؤساء الجزر بعقد مؤتمر "الحوار القمري قمري" تحت رعاية المجتمع الدولي، لإعادة النظر فيما بين كافة الأطراف القمرية، في مسألة توزيع الصلاحيات وتنسيق مواعيد الانتخابات. ووافقت الحكومة القمرية على المشاركة في ذلك المؤتمر وتقديم مشروع التعديل الأولي المقترح من قبلها.
وقد تم اقتراح مشروع التعديل من قبل حكومة الاتحاد وفقاً للدستور الذي ينص في فقرته 37 على أن "مبادرة التعديل الدستوري تخص معاً (تنافسياً) رئيس الاتحاد وثلثي أعضاء مجلس النواب على الأقل".
كما أن اللجوء إلى الاستفتاء لاعتماد المشروع مطابقٌ أيضاً للدستور حيث ينص في فقرته 37 على أن "لاعتماد مشروع أو اقتراح تعديل، يجب أن تتم الموافقة عليه من قبل ثلثي إجمالي عدد أعضاء مجلس النواب الاتحادي وكذلك ثلثي إجمالي عدد أعضاء مجالس نواب الجزر أو من خلال استفتاء".
ويقترح التعديل الدستوري المقدم من الحكومة أساساً ما يلي :
تغيير التسمية القانونية على التوالي، لرؤساء ووزراء ونواب الجزر والقوانين الأساسية التابعة لها، إلى حكام ومفوضين ومستشارين وقوانين نظامية للجزر،
تحديد عدد المفوضين لعدد ستة (6)، ووزراء الاتحاد لعدد عشرة (10)،
تحديد بوضوح صلاحيات الجزر المتمتعة بالحكم الذاتي،
منح مجلس النواب سلطة مراقبة الوزراء، ورئيس الاتحاد سلطة حل المجلس،
تمديد مدة ولاية رئيس الاتحاد من أربعة إلى خمس سنوات،
إزالة أي غموض بشأن دورية الرئاسة بجعلها ملزمة في نهاية الخمس سنوات من مدة ولاية رئيس الاتحاد، وبالأحرى بإلغاء أي احتمال في إجراء عدد اثنين (2) انتخابات تمهيدية على التوالي في نفس الجزيرة،
تأسيس وحدانية الجهاز القضائي على أن يكون من صلاحيات الاتحاد،
تجميع انتخابات النواب والمستشارين، وكذلك انتخابات رئيس الاتحاد وحكام الجزر في نفس المواعيد.
وبالإضافة إلى ذلك، يضع التعديل حداً لتواجد قوى الأمن الداخلي في الجزر، ويقر إنشاء شرطة وطنية، وأجهزة شرطة حضرية وريفية.
وقد وافق مؤتمر "الحوار القمري قمري" بالإجماع على ضرورة القيام بإصلاحات دستورية لوضع حد للمنازعات في مجال الصلاحيات وكذلك لتنسيق مواعيد الانتخابات، لكنه لم ينجح في التوصل لتوافق الآراء بشأن توقيت (تاريخ) تنسيق انتخابات الرئيس المقبل للاتحاد وحكام الجزر.
لذا مباشرة بعد نهاية "الحوار القمري قمري"، قررت الحكومة القمرية استشارة الشعب القمري عن طريق الاستفتاء.
وقد دعا الرئيسين التنفيذيين لجزيرتي القمر الكبرى وموهيلي، وكذلك أحزاب المعارضة الى مقاطعة الاستفتاء، كما هددوا بمنع إجراء الاقتراع. وعلى الرغم من ذلك، تم إجراء الاستفتاء بتاريخ 17/5/2009، تحت إشراف مراقبين من المجتمع الدولي. وفي 19/5/2009، أعلنت المحكمة الدستورية على نتائجه كالتالي :
نسبة القبول "نعم" : 93.908 %
نسبة الرفض "لا" : 6.092 %
نسبة المشاركة : 76.51 %
ووافق رؤساء جزيرتي أنجوان وموهيلي على تنفيذ الإصلاحات الدستورية بقبول لقب "حاكم الجزيرة" وتشكيل حكومة في الجزيرة تتألف من ستة (6) مفوضين، في حين رفض رئيس جزيرة القمر الكبرى السابق الموافقة عن ذلك.
وقد نص الإصلاح الدستوري الذي أقره الشعب القمري على تنسيق الانتخابات التشريعية (نواب المجلس الاتحادي ومستشاري الجزر)، وانتخابات الرؤساء التنفيذيين (رؤساء الاتحاد والحكام). كما نص أيضاً على أن يتم تحديد موعد انتخابات رئيس الاتحاد وحكام الجزر المقبلة من قبل الكنجرس المكون من النواب الاتحاديين ومستشاري الجزر.
وهكذا، تم إجراء أول انتخابات تشريعية منسقة خلال يومي 6 و20/12/2009، بإشراف الهيئات الانتخابية المستقلة وتحت رعاية ومراقبة المجتمع الدولي. وقد انتهت هذه الانتخابات بانتصار ساحق للأغلبية الرئاسية، حيث تم الاعتراف بنتائجها والمصادقة عليها من قبل المحكمة الدستورية، وإشادة كافة المراقبين بكونها حرة وديمقراطية وشفافة.
واجتمع الكنجرس (المكون من نواب الاتحاد ومستشاري الجزر) يوم 1/3/2010، في موروني، لتحديد موعد انتخابات الرئيس المقبل للاتحاد وحكام الجزر. وقد ساهم نواب ومستشاري جزيرة موهيلي الموالين للأغلبية الرئاسية في التصويت، في حين لم يتقدم نواب ومستشاري المعارضة بأي اقتراح في هذا الشأن رغم دعوتهم لذلك، وفضلوا مغادرة قاعة الكنجرس قبل التصويت على مشروع القانون المقدم من قبل نواب التيار الرئاسي. وبالتالي، تمت الموافقة على مشروع القانون القاضي بتحديد تاريخ 27/11/2011 كموعد للانتخابات الرئاسية المنسقة، بمقتضى 60 صوت مقابل 83.
وقد كان الجدول الزمني للانتخابات ما قبل التعديل يتجلى بإجراء عملية انتخابية كل سنة تقريباً من عام 2006 وحتى عام 2014. ويمثل هذا التوال في الانتخابات عبء ثقيل لا يطاق على أموال الدولة ويتجسد في حملات انتخابية شبه مستمرة، تعطل سير عمل الإدارات وكذلك الحياة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد. لذا، فإن تجميع الانتخابات التشريعية من جهة، والرئاسية من أخرى، سوف يوفر نصف الانفاقات الخاصة بالانتخابات، كما سوف يبعد المواعيد فيما بينها بمعدل سنتين.
وخلافاً لادعاءات المعارضة، فإن مبدأ الرئاسة الدورية لا يزال قائماً، والاصلاح ليس في النهاية إلا تعديل في الجدول الزمني للانتخابات.
السنوات انتخابات غير منسقة انتخابات منسقة ابتداءً من 2009
2006 انتخابات رئاسة الاتحاد
2007 انتخابات رؤساء جزيرتي القمر الكبرى وموهيلي
2008 انتخابات رئيس جزيرة انجوان
انتخابات مجالس الجزر
2009 الانتخابات التشريعية انتخابات النواب ومستشاري الجزر في نفس اليوم
2010 انتخابات رئيس الاتحاد (من موهيلي)
2011 انتخابات رئيس الاتحاد (من موهيلي) وحكام الجزر في نفس اليوم
2012 انتخابات رؤساء جزيرتي القمر الكبرى وموهيلي
2013 انتخابات رئيس جزيرة انجوان
2014 انتخابات رئيس الاتحاد (من القمر الكبرى)
الانتخابات التشريعية انتخابات النواب ومستشاري الجزر في نفس اليوم
2015 - -
2016 انتخابات رئيس الاتحاد (من القمر الكبرى) وحكام الجزر في نفس اليوم
2017 انتخابات رؤساء جزيرتي القمر الكبرى وموهيلي
2018 انتخابات رئيس جزيرة انجوان
2019 انتخابات رئيس الاتحاد (من انجوان)
الانتخابات التشريعية انتخابات النواب ومستشاري الجزر في نفس اليوم
إذاً، وباعتبار ما سبق، فإن الإصلاح الدستوري نابع عن رغبة الشعب القمري في استكمال وضع إطار مؤسسي يُحتمل وقابل للاستمرارية. وقد أعرب عن هذه الرغبة بكل حرية وديمقراطية، مباشرةً عن طريق الاستفتاء، وأيضاً من خلال ممثليه الذي اختارهم كذلك بكل حرية. وكذا، فإن الحكومة القمرية كانت على الدوام منفتحة للحوار، الأمر الذي أكده استعدادها المستمر للمشاركة في كافة اللقاءات التي يتم تنظيمها تحت رعاية المجتمع الدولي، بين مختلف الاتجاهات القمرية.
وتغتنم حكومة جمهورية القمر المتحدة هذه الفرصة لتتقدم بالشكر لكل من الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية وباقي أعضاء المجتمع الدولي للجهود التي لا زالوا يبذلونها في عمليات الوساطة فيما بين مختلف الأطراف القمرية سعياً للتغلب على الصعوبات التي تواجهها البلاد.
موروني، 5 مارس 2010